عندما اعتلى سيدي محمد بن يوسف العرش عام 1927، كان المغرب يرزح تحت وطأة "معاهدة فاس" (1912). لم تكن سلطات الحماية الفرنسية، بقيادة المقيم العام "تيودور ستيغ"، تتوقع أن هذا الشاب الهادئ سيتحول إلى "كابوس دبلوماسي" لفرنسا. في هذه المرحلة، ركز الملك على بناء النخبة، فدعم تأسيس المدارس الحرة بعيداً عن مناهج التعليم الاستعماري، مما خلق جيلاً من المثقفين الذين شكلوا نواة "كتلة العمل الوطني".
1. المنعطف التاريخي: مؤتمر أنفا (1943) والتحول العالمي
لم يكن استقلال المغرب نتاج مظاهرات داخلية فحسب، بل كان نتيجة ذكاء دبلوماسي من الملك.
لقاء روزفلت وتشيرشل: استغل الملك انعقاد مؤتمر "أنفا" بـ الدار البيضاء ليلتقي بالرئيس الأمريكي "فرانكلين روزفلت". في هذا اللقاء، حصل الملك على دعم معنوي وتلميحات أمريكية بضرورة إنهاء الاستعمار بعد الحرب، مما أعطى للملك جرأة لمواجهة الإدارة الفرنسية.
وثيقة 11 يناير: لم تكن مجرد ورقة مطالب، بل كانت إعلاناً بفك الارتباط النفسي والسياسي مع فرنسا. هنا بدأ الصدام المباشر؛ حيث انتقل الملك من دور "المحكم" بين الشعب والمستعمر إلى دور "القائد الفعلي" للمقاومة.
2. معركة طنجة (1947): كسر الحدود الوهمية
كانت طنجة آنذاك تخضع لنظام دولي. رحلة الملك من الرباط إلى طنجة كانت رحلة رمزية لتوحيد أجزاء المغرب (المنطقة السلطانية، المنطقة الخليفية، والمنطقة الدولية).
الخطاب التاريخي: في "حديقة المندوبية"، ألقى الملك خطاباً أسقط فيه فقرة كانت قد أعدتها الحماية الفرنسية، واستبدلها بتأكيد صريح على مغربية الصحراء وعروبة المغرب. هذا الخطاب كان "إعلان استقلال شفهي" قبل أوانه بـ 9 سنوات.
3. محنة النفي: عندما أصبح الملك "أيقونة"
في 20 أغسطس 1953، تآمر المقيم العام "غويوم" مع بعض القادة المحليين الموالين للاستعمار (مثل الكلاوي) لخلع الملك وتنصيب "ابن عرفة".
المنفى في مدغشقر: عاش الملك وأسرته ظروفاً قاسية، لكن هذه المحنة حولته إلى "أسطورة" في مخيال الشعب المغربي. بدأ الناس يدعون برؤية صورته في القمر، وهي ظاهرة سيكولوجية سياسية تعكس مدى الارتباط الوجداني بين العرش والشعب.
العمل الفدائي: ظهرت "جيوش التحرير" وانطلقت العمليات الفدائية في المدن، مما جعل كلفة الاحتلال بشرياً ومادياً باهظة على فرنسا التي كانت غارقة أيضاً في حرب الجزائر.
4. مفاوضات "إيكس ليبان" والعودة المظفرة
اضطرت فرنسا للتفاوض في "إيكس ليبان" (أغسطس 1955). عاد الملك في 16 نوفمبر، وفي 2 مارس 1956، تم التوقيع الرسمي على وثيقة الاستقلال.
بناء الجيش والمؤسسات: فور عودته، لم يخلد الملك للراحة. أسس "القوات المسلحة الملكية" في مايو 1956 لتكون رمز السيادة، وبدأ في هيكلة وزارة الخارجية والعدل، وحرص على إصدار "قانون الحريات العامة" عام 1958، مما وضع لبنات التعددية الحزبية.
هل كان المقال مفيداً؟
التعليقات (0)
اترك تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!