الحسن الثاني ملك المغرب: عبقرية السياسة وباني المغرب الحديث
يعتبر الحسن الثاني ملك المغرب واحداً من أبرز القادة العرب والأفارقة في القرن العشرين، بل كان ظاهرة سياسية فريدة بكل المقاييس. ولد الحسن الثاني بن محمد الخامس في 9 يوليو 1929، ونشأ في كنف والده بطل التحرير، ليتشرب مبادئ الوطنية والدبلوماسية منذ نعومة أظفاره. لكن، هل كان مجرد ملك ورث العرش؟ الإجابة قطعاً لا. لقد كان الرجل مهندس الدولة المغربية الحديثة بامتياز.
حياة الحسن الثاني: تكوين ملك
بدأت حياة الحسن الثاني في القصر الملكي بالرباط، حيث تلقى تعليماً مزدوجاً يجمع بين الأصالة المغربية والمعاصرة الغربية. درس في المدرسة المولاوية ثم تابع دراساته العليا في القانون بفرنسا. هذا التكوين الأكاديمي الرصين صقل شخصية الحسن الثاني وجعل منه خطيباً مفوهاً ومحاوراً بارعاً، قادراً على مخاطبة الغرب بلغتهم والشرق بمنطقهم.
وعندما نتحدث عن تاريخ الحسن الثاني، لا يمكن إغفال فترة المنفى مع والده محمد الخامس إلى كورسيكا ثم مدغشقر. كانت تلك التجربة القاسية — والمهمة جداً جداً — هي المحك الذي صهر إرادته السياسية وجعله يدرك قيمة السيادة والحرية.
حكم الحسن الثاني: إرساء دعائم الدولة
بدأ حكم الحسن الثاني رسمياً في عام 1961 بعد وفاة والده المنعم. كانت المهمة شاقة، صح؟ مغرب خرج للتو من الاستعمار، واقتصاد يحتاج للبناء، وتجاذبات سياسية داخلية قوية. لكنه تحرك بسرعة وثبات.
إنجازات الحسن الثاني في مأسسة الدولة
من أهم إنجازات الحسن الثاني هو وضع أول دستور المغرب 1962، والذي كرس الملكية الدستورية كخيار استراتيجي للمملكة. ومن هنا انطلق تاريخ المغرب في عهد الحسن الثاني نحو بناء المؤسسات.
سياسة السدود: ربما هي أعظم إرث اقتصادي تركه، حيث جعل من الأمن المائي أولوية قصوى.
المسيرة الخضراء: في عام 1975، وبذكاء سياسي منقطع النظير، نظم الملك المسيرة الخضراء لاسترجاع الأقاليم الصحراوية من الاستعمار الإسباني بطريقة سلمية، معتمداً على قوة الإيمان والوطنية (350 ألف مغربي ومغربية).
التعددية الحزبية: رغم الصعوبات، أصر على بقاء التعددية في وقت كانت فيه معظم الدول العربية تتبنى نظام الحزب الواحد.
السياسة في عهد الحسن الثاني وعلاقات المغرب الدولية
كانت السياسة في عهد الحسن الثاني تتسم بالواقعية والمرونة. استطاع الملك الحسن الثاني أن يجعل من المغرب لاعباً أساسياً في الساحة الدولية. فقد كان وسيطاً موثوقاً في النزاعات العربية، وصديقاً استراتيجياً للقوى الغربية، ومدافعاً شرساً عن القضايا الأفريقية.
أما عن علاقات المغرب الدولية، فقد تميزت بالتوازن. كان يرى المغرب "شجرة جذورها في أفريقيا وأغصانها تتنفس في أوروبا". وحتى في أصعب لحظات الحرب الباردة، حافظ المغرب على خصوصيته واستقلالية قراره.
"إنني لا أريد أن يقال عني إنني قمت بأعمال عظيمة، بل أريد أن يقال عني إنني كنت أباً عطوفاً لشعبي." — مقتبس من إحدى خطب الحسن الثاني.
مغرب القرن العشرين: التحديات والتحولات
لم يكن تاريخ الدولة العلوية في عهد الحسن الثاني مفروشاً بالورود دائماً. مر المغرب في القرن العشرين بمحطات عاصرة، منها ما عرف بـ "سنوات الرصاص" والمحاولات الانقلابية الفاشلة. لكنه بفضل حنكته، استطاع تجاوز تلك الأزمات والانتقال بالمغرب إلى مرحلة "التناوب التوافقي" في أواخر التسعينات، مما مهد الطريق لعهد جديد.
كانت خطب الحسن الثاني دروساً في السياسة واللغة. كان المغاربة ينتظرونها بشغف، ليس فقط لمعرفة القرارات الرسمية، بل للاستمتاع بأسلوبه البلاغي وقدرته على تبسيط أعقد المفاهيم.
وفاة الحسن الثاني ورحيله
في 23 يوليو 1999، اهتز المغرب والعالم لخبر وفاة الحسن الثاني. كان يوماً حزيناً بكى فيه المغاربة ملكهم الذي عاش معهم تفاصيل بناء الدولة لأكثر من 38 عاماً. ووري جثمانه الثرى في ضريح محمد الخامس بالرباط، بجانب والده وشقيقه الأمير مولاي عبد الله، في جنازة مهيبة حضرها قادة العالم من كل حدب وصوب.
لقد رحل ملك المغرب الراحل، لكنه ترك وراءه مملكة صلبة ومؤسسات قائمة. وتولى من بعده ابنه الملك محمد السادس، ليكمل مسيرة التحديث والنماء ضمن قائمة ملوك المغرب العظام.
هل كان المقال مفيداً؟
التعليقات (0)
اترك تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!