مدينة الكويرة : جوهرة منسية في أقصى الصحراء
مدينة في قلب الصحراء والمحيط
تخيل مدينة على حافة المحيط الأطلسي، في نقطة تكاد تكون أقصى ما يمكن الوصول إليه جنوباً. هذه هي مدينة الكويرة المغربية، تلك الجوهرة المنسية التي تحمل قصصاً تتجاوز الزمن.
تقع الكويرة في إقليم أوسرد بجهة الداخلة وادي الذهب، يحدها من الغرب المحيط الأطلسي. لكن الأهم — وهذا ما يجعلها فريدة — أنها تقع على شبه جزيرة رأس نواذيبو، في نقطة التقاء جغرافية حساسة بين المغرب وموريتانيا.
موقع استراتيجي بامتياز
الموقع الاستراتيجي للكويرة؟ ممكن نقول إنه سلاح ذو حدين. فهي تمثل أقصى جنوب المغرب، وتشكل نقطة عبور طبيعية نحو غرب أفريقيا. القيادتان في الرباط ونواكشوط تدركان جيداً الحساسية الإستراتيجية لهذه المدينة.
المدينة تطل على المحيط الأطلسي من جهة، وتجاور الحدود المغربية الموريتانية من جهة أخرى. وهذا الموقع — صدقوني — جعلها محط أنظار إقليمية ودولية على مدى عقود.
تاريخ حافل بالتحولات
الحقبة الإسبانية
بدأت الكويرة تتطور كمدينة خلال الاستعمار الإسباني، حيث أدى إنشاء معمل لإنتاج طحين السمك إلى جذب العمال. يعني كانت المدينة نابضة بالحياة! فيها مدرسة، مستوصف، حتى كنيسة وبنوك.
في السبعينات، كانت الكويرة الصحراء المغربية مركزاً مهماً لـالصيد البحري، مع تصدير آلاف الأطنان من الأسماك سنوياً. الإحصاء الإسباني سنة 1974 يشير إلى وجود 250 أوربي وأكثر من 1600 صحراوي في المدينة.
اتفاقية مدريد ومنعطف 1975
كرس توقيع اتفاقية مدريد بتاريخ 14 نونبر 1975 الانسحاب الإسباني. وهنا بدأت قصة أخرى — قصة معقدة. الإسبان رحلوا بسرعة، والكويرة تحولت تدريجياً إلى ما يسميه البعض "مدينة أشباح".
الجغرافيا والمناخ: طبيعة فريدة
المناخ الصحراوي المعتدل
رغم موقعها في الصحراء، مناخ الكويرة معتدل ورطب طوال السنة بمعدل 15 إلى 17 درجة مئوية في الشتاء، وبين 18 و23 درجة في الفصول الأخرى. المناخ الصحراوي هنا مختلف — فتأثير المحيط واضح.
الأمطار؟ قليلة، كباقي الجغرافيا الصحراوية في المنطقة. لكن الرطوبة من المحيط تلطف الأجواء بشكل ملحوظ.
الوضع الحالي: بين التحديات والآمال
مدينة مهجورة لكن ليست منسية
حالياً، الكويرة عبارة عن مدينة مهجورة. حسب الإحصاء العام للسكان لسنة 2014، الكويرة لا يسكن بها أي مواطن. صح، المدينة خاوية — لكن هذا لا يعني أنها غير مهمة!
السبب؟ صعوبة الوصول للمدينة ومخاطر الألغام، والحالة السياسية للمنطقة. النزاع حول الصحراء ألقى بظلاله على هذه المدينة الصغيرة.
مشاريع التنمية المستقبلية
لكن — وهذا مهم جداً — هناك توجه جديد. منذ تأمين معبر الكركرات في 13 نونبر 2020، أخذ توجه مغربي جديد يستهدف تنمية المنطقة بين الداخلة والكويرة.
التنمية في الأقاليم الجنوبية أصبحت أولوية. المغرب يخطط لإنشاء ميناء في الكويرة، ما قد يحولها من مدينة أشباح إلى مركز اقتصادي حيوي. هذا يعني استغلال الثروات البحرية الهائلة في المنطقة.
الثروات الطبيعية والإمكانيات
كنز بحري مهمل
الكويرة محاطة بمياه غنية بالأسماك. الصيد البحري كان — ولا يزال — أحد أهم الموارد المحتملة. المنطقة تزخر بثروات بحرية يمكن أن تشكل عماد اقتصاد قوي.
السياحة الصحراوية: فرصة ضائعة؟
ربما — ومن يدري — قد تصبح الكويرة وجهة لـالسياحة الصحراوية. تخيلوا: المعالم الطبيعية في الكويرة، المباني الإسبانية القديمة المدفونة تحت الرمال، شواطئ المحيط الممتدة... إمكانيات هائلة!
التحديات الإقليمية
القصة معقدة، أليس كذلك؟ الكويرة محاذية لمدينة نواذيبو، الشريان الاقتصادي لموريتانيا ومركز الصيد البحري. أي تطوير للكويرة قد يؤثر على الاقتصاد الموريتاني.
العلاقات بين الرباط ونواكشوط بخصوص هذه المدن الحدودية المغربية تتطلب حكمة ودبلوماسية. مصالح الطرفين متشابكة، والحل يجب أن يكون توافقياً.
نظرة للمستقبل
الكويرة اليوم مدينة صامتة. لكن من تجربتي في متابعة تاريخ الكويرة، أعتقد أن هذه المدينة لن تبقى على هذا الحال إلى الأبد. المشاريع التنموية تتقدم، والإرادة السياسية موجودة.
هل ستستعيد الكويرة مجدها كمركز للصيد والتجارة؟ قد يكون. على الأقل، الإمكانيات موجودة. والموقع — ذلك الموقع الاستراتيجي الذي تحدثنا عنه — يبقى ورقة رابحة.
- هسبريس - الكويرة المغربية.. جوهرة أطلسية تقع في قلب التحديات السياسية والاقتصادية
- الصحيفة - الكويرة.. قصّة مدينة مغربية منسية على حدود موريتانيا
- ويكيبيديا - الكويرة
- Le Desk - الكويرة أو المدينةُ الشبح
- المعهد المغربي لتحليل السياسات - أربعة مكاسب استراتيجية من وراء إعادة إعمار مدينة الكويرة
- مركز شاف - الكويرة في قلب التوتُّرات الإقليمية
هل كان المقال مفيداً؟
التعليقات (0)
اترك تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!