سحر خاص. هيبة لا توصف. عندما نتحدث عن الأناقة الممزوجة بالتاريخ، فأول ما يخطر ببالنا هو قطعة القماش الفاخرة التي تخطف الأنظار في كل مكان. نعم، هو القفطان المغربي. لكن، هل سألت نفسك يوماً عن أصل القفطان الحقيقي؟ من أين بدأ كل هذا الجمال؟
ممكن أن تكون قد سمعت روايات متعددة. ربما قرأت بعض المعلومات المشتتة هنا وهناك. صح؟ لكن الحقيقة التاريخية الثابتة تأخذنا في اتجاه واحد ومحدد جداً جداً. دعونا نغوص معاً في تاريخ القفطان لنكتشف أسراره العميقة التي تجعل منه فخراً وطنياً.
جذور القفطان: القصة الحقيقية من العهد الموحدي
كثيراً ما يحدث خلط تاريخي عند الحديث عن هذا اللباس. البعض يحاول ربط القفطان في الحضارات القديمة ببلاد فارس أو غيرها. أو يعتقد أنه جاء مع العثمانيين. لكن، لحظة من فضلك!
التاريخ يخبرنا بشيء مختلف تماماً. المغرب — كما هو معروف — لم يخضع يوماً لحكم الإمبراطورية العثمانية. يعني، القفطان في الدولة العثمانية كان لباساً مستقلاً تماماً، يختلف في قصته وتطوره وحتى وظيفته عن القفطان الذي نعرفه اليوم.
إذن، من أين جاء؟ تشير السجلات والدراسات التاريخية الموثوقة إلى أن جذور القفطان المغربي بشكله الأولي والمستقل تعود تحديداً إلى القرن الثاني عشر الميلادي، في عهد "الدولة الموحدية". السلاطين الموحدون كانوا أول من ارتدى هذا الرداء الطويل والمميز، وكان يُصنع من صوف محلي رفيع أو حرير نقي. رداء يرمز للقوة والسلطان.
الأندلس والمغرب.. تمازج التراث المغربي
و، مع مرور الوقت، تطور هذا اللباس وتداخل مع أحداث تاريخية عظيمة. القفطان في الأندلس لعب دوراً كبيراً، خاصة مع هجرة الأندلسيين (الموريسكيين) إلى المغرب. استقبل المغاربة إخوانهم الأندلسيين، ومعهم جاءت مهارات جديدة في النسيج والتطريز.
هذا التمازج العظيم جعل التراث المغربي يزدهر بشكل غير مسبوق. الصانع المغربي لم يكتفِ بما جاء من الأندلس، بل أضاف لمسته العبقرية. تطور القفطان عبر التاريخ من لباس رجالي مخصص للسلاطين، ليصبح تدريجياً — وبحلول العهد المريني والسعدي — لباساً تتزين به النساء في القصور.
تصميم القفطان وتفاصيل لا تعرفها
من تجربتي الشخصية، عندما تقترب وتتأمل تفاصيل أي قفطان أصيل، تدرك فوراً أنه ليس مجرد ثوب. عمل فني حقيقي.
تصميم القفطان يحتاج لأسابيع طويلة. الصانع التقليدي (المعلم) يضع روحه في كل غرزة.
القفطان التقليدي: يعتمد أساساً على "السفيفة" (وهي أشرطة حريرية منسوجة يدوياً) و"العقاد" (أزرار صغيرة جداً تُصف بدقة مذهلة من الأعلى للأسفل).
تطريز القفطان: يختلف من مدينة لأخرى. (تطريز فاس، رباطي، تطواني...). كل مدينة لها توقيعها الخاص.
القفطان العصري: المصممون المغاربة اليوم أخذوا هذه القطعة التاريخية إلى أبعاد جديدة، مع الحفاظ على هويتها الأصلية بصرامة.
ما الفرق بين القفطان والتكشيطة؟
أحياناً، يختلط الأمر على الكثيرين خارج المغرب. ما الفرق بين القفطان والتكشيطة؟ أليس كلاهما اللباس التقليدي المغربي؟ بلى! لكن الفرق بسيط جداً:
القفطان: يتكون دائماً من قطعة واحدة. يُمكن ارتداؤه منفرداً، وهو خفيف وأنيق.
التكشيطة: تتكون من قطعتين على الأقل. (القطعة السفلية تُسمى "التحتية"، والقطعة العلوية تكون عادة شفافة ومطرزة تُسمى "الدفينة"). التكشيطة تفرض بالضرورة ارتداء "المضمة" (الحزام العريض).
الأزياء التقليدية في المناسبات والأعراس
لا يمكن أن نتخيل فرحاً في المغرب بدون هذه الأزياء. القفطان في المناسبات هو الخيار الأول والأخير. أما القفطان في الأعراس المغربية، فهو قصة أخرى تماماً!
العروس المغربية ترتدي عدة تصاميم وألوان خلال ليلة العمر. كل لون يرمز لشيء معين. وفي وسط كل هذا الزخم، يبرز القفطان الملكي بفخامته الاستثنائية كرمز للرقي والأصالة التي تتوارثها الأجيال. أنا شخصياً أرى أن هذا اللباس يعطي للمرأة هيبة تشبه هيبة الأميرات.
انتشار القفطان في العالم
اليوم، لم يعد هذا السحر حبيس الجغرافيا المغربية. انتشار القفطان في العالم أصبح ظاهرة تُدرس في كبريات دور الأزياء. رأيناه على السجاد الأحمر. ارتدته نجمات السينما العالمية وعارضات الأزياء الشهيرات. الأزياء التقليدية المغربية فرضت نفسها بقوة كمرادف للأناقة العالمية المحتشمة والفخمة في نفس الوقت.
خاتمة
في النهاية، يمكننا القول بكل ثقة ومصداقية إن القفطان ليس مجرد صيحة موضة عابرة. هو تاريخ ينبض بالحياة، بدأ من العهد الموحدي في المغرب، واستمر في التطور ليغزو العالم بجماله. فخر حقيقي، أليس كذلك؟ والآن، أخبروني، ما هو اللون الذي تفضلونه في تصميم قفطانكم القادم؟
هل كان المقال مفيداً؟
التعليقات (0)
اترك تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!